حيدر حب الله

52

شمول الشريعة

أنّنا لم نجد دراسة مستقلّة لهذه القاعدة المتردّدة في الكتب أو على الألسن « ما من واقعة إلا ولها حكم » . . لم نجد لها دراسة مفردة - عدا خلال العقود الثلاثة الأخيرة - لا في علم الكلام الإسلامي ولا علم أصول الفقه ، ولا في الفقه نفسه ، وإنّما كان يُشار إليها هنا أو هناك ، وهذه من الأمور التي تحتاج إلى درسٍ واع في أصول الاجتهاد الإسلامي ، ومن الغريب أن لا تُفرد مسألةٌ من هذا النوع بالبحث مع أنّ نمطيّة علم الأصول والفقه تقوم عليها ، خاصّة وأنّ هناك قولًا منسوباً بإنكار هذه القاعدة كما سيأتي ، بل يرى المحقّق العراقي ( 1361 ه - ) أنّ القول بالمعنى الواسع للتصويب يقوم على إنكار هذه القاعدة في الجملة « 1 » . وليس من تفسير سوى وضوح القضيّة أو ابتنائها على مقدّمات غير واعية وإنّما مركوزة في الذهن تلقّياً من مكانٍ ما . وعلى أيّة حال ، نودّ هنا أن نتناول بالبحث نظريّة الشمول القانوني والتشريعي ، من زاوية الأدلة والمستندات . وسنجعل محور نظرنا هنا هو المفهوم المدرسي لهذه النظريّة ، وهو الذي يرى أنّ لكلّ واقعة - مهما كان حجمها - حكماً واقعيّاً إلهيّاً مباشراً لم توكل فيه مهمّة التقنين والإنشاء لأيّ جهة أو مرجعيّة قانونيّة أخرى . وسوف أجعل ذلك على مراحل وخطوات متتالية : أوّلًا : المستند العقلي والعقلاني لنظريّة الشمول القانوني رغم أنّ بعض العلماء أوجز هنا قائلًا بأنّ العقل لا يستقلّ بعدم خلوّ الواقعة من حكم « 2 » ، لكن إذا أردنا أن نشرع من العقل ، لننطلق منه دليلًا على فكرة الشمول ، فسوف نلاحظ وجود محاولات استدلاليّة توظّف العقل لخدمة فكرة الشمول القانوني ، يمكننا عرضها - والإضافة عليها - كالآتي « 3 » :

--> استخداماً لجملة : ما من واقعة إلا ولها حكم . ( 1 ) انظر : نهاية الأفكار 4 ( القسم الثاني ) : 229 - 230 . ( 2 ) انظر : حبيب الله الرشتي ، بدائع الأفكار : 386 . ( 3 ) يمكن تقسيم الأدلّة العقليّة هنا إلى قسمين : خارج - دينيّة ، وداخل - دينيّة ، فالأوّل مثل برهان الحاجة للوحي ، والثاني مثل برهان الانتقال من الخلود والخاتميّة إلى الشمول .